02/ديسمبر/2021
لم تعد الضريبة بمفهومها الحديث أداة محايدة بل أداة موجهة توظفها الدولة في خدمة الأغراض السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك استجابة من الدولة لدورها المرصود في تحقيق النفع العام والرفاهية العامة.
وهناك حاجة ملحةً إلى الإصلاحات الضريبية لمعالجة الفجوات التضخمية والانكماشية، وعند عجز الضريبة عن تحقيق العدالة الاجتماعية وضعف الحصيلة الضريبية التي تنعكس عجزاً في الموازنة، واتساع آثارها في الاقتصاد القومي بوجه عام.
لذا فإنّ الإصلاحات الضريبية تعد ضرورة ذات أهداف اقتصادية ومالية واجتماعية، تتجلى في زيادة النمو الاقتصادي، وزيادة إيرادات الضرائب مع مراعاة تحقيق العدالة وفرض الضريبة على القادرين على دفعها، وتخفيف آثارها على الفئات غير القادرة.
ومما تجدر الإشارة إليه هو أن الإصلاح الضريبي يمكن أن يكون شاملاً يتضمن مختلف جوانب الهيكل الضريبي، أو جزئياً يتناول نوعاً معيناً من الضرائب. وأن أي إصلاح ضريبي يتطلب دراية عميقة بأوضاع الدولة محل الإصلاح، لذلك يختلف الإصلاح الضريبي من دولة الى دولة وأخرى.
أولاً ـ أسباب الإصلاحات الضريبية:
تتمثل الأسباب التي تدعو إلى إجراء إصلاحات ضريبية في الآتي:
1ـ انخفاض الحصيلة الضريبية: إن غرض الضريبة الأصلي هو الحصول على الأموال اللازمة لتغذية الخزينة العامة. والانخفاض في الحصيلة الضريبية يمكن قياسه من خلال مفهوم (العبء الضريبي) الطاقة الضريبية التي تعرَّف بأنها “النسبة من الناتج القومي الإجمالي الذي يمكن للحكومة الحصول عليه بحيث لا يؤدي ذلك إلى الإضرار بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أو بتعبير آخر هي أقصى قدر من الإيرادات يمكن تحصيله بواسطة الضرائب في حدود الدخل القومي دون المساس بالاعتبارات الاجتماعية لدافعي الضرائب”.
2ـ عدم عدالة النظام الضريبي: تتصف الأنظمة الضريبية في بعض دول العالم، ولاسيما النامية منها، بعدم العدالة؛ إذ لا تتم معاملة المكلفين الذين يتساوون في ظروفهم الاقتصادية معاملة متماثلة “غياب العدالة الأفقية” أو لا يعامل المكلفون غير المتماثلين في ظروفهم الاقتصادية معاملةً ضريبية غير متماثلة “غياب العدالة الرأسية ”
3ـ ضعف الجهاز الضريبي: ان تحقيق أهداف السياسة الضريبية المثلى هو رهن بمستوى كفاءة الادارة الضريبية، وقد يعود انخفاض الكفاءة إلى سوء بيئة العمل التي يعمل بها الموظفون، من حيث افتقارهم إلى الادوات والانظمة التي تساعدهم على الإنجاز. من جانب آخر فإن انخفاض الأجور والحوافز التي يتقاضاها الموظفون قد لا تخلق لديهم الحوافز والبواعث الكافية لإنجاز العمل المنوط بهم.
فالإدارة الضريبية تقوم بتنفيذ القوانين الضريبية والتأكد من سلامة تطبيقها حمايةً لحقوق الدولة من جهة، وحقوق المكلفين من جهة أخرى، واقتراح التعديلات والتشريعات الضريبية التي ترقى بالنظام الضريبي ، وتساعد المجتمع على تحقيق أهدافه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومن ثم فإن ضعف الجهاز الإداري القائم يؤدي إلى تزايد التهرب ومخالفة مبادئ العدالة الضريبية علاوةً على الفساد الإداري، ونقص الحصيلة الضريبية.
4ـ اختلال الهيكل الضريبي: يلاحظ ارتفاع نصيب الضرائب على الاستهلاك والتجارة الخارجية، من إجمالي الإيرادات الضريبية في الدول النامية والبلاد العربية خاصة وذلك بعكس الدول المتقدمة التي تعتمد أنواعاً أخرى، كالضرائب على الدخل .
وقد اشارت دراسة لنحو 86 دولة نامية تتضمن العديد من الدول العربية، أن ضرائب الدخل تمثل فقط 30% من المجموع الكلي للإيرادات الضريبية، في حين تمثل الضرائب على الاستهلاك 60% من مجموع هذه الإيرادات. وأشارت الدراسة إلى اعتماد هذه الدول الكثيف على ضرائب التجارة الخارجية وبالأساس الضرائب على الواردات. ويرجع ذلك إلى عدم تنوع القاعدة الإنتاجية في تلك الدول التي شملتها الدراسة؛ لأنه كلما تنوعت هذه القاعدة وبلغت درجةً أعلى في التنمية الاقتصادية قل اعتماد الدولة على ضرائب التجارة الخارجية .
ثانياً ـ ادوات الإصلاحات الضريبية:
لكي تتحقق أهداف النظام الضريبي المالية والاقتصادية والاجتماعية، لا بد من اتباع وسائل وادوات لتحقيق اهداف الاصلاح الضريبي ومن اهمها ما يلي :
1ـ تحسين أداء الإدارة الضريبية: وذلك من خلال رفع كفاءة الموظفين وتحسين قدراتهم وإمدادهم بالمعلومات الكافية والتدريب المطلوب لمزاولة أعمالهم. ويمكن ان يتم ذلك من خلال اتخاذ الإجراءات الآتية:
اختيار أكفأ الموظفين للعمل في الإدارات الضريبية، من حيث توافر المواصفات العلمية والأخلاقية والذهنية المطلوبة لشغل وظائف الإدارة الضريبية.
تدريب الموظفين وإعدادهم لممارسة أعمالهم التخصصية باستمرار. فتنفيذ القوانين الضريبية عمل فني متخصص لا يكفي فيه اختيار الموظف الكفء، بل لا بد من تمرينه لصقل ما لديه من كفاءات وزيادة مهاراته وقدرته على القيام بواجباته ورفع إنتاجيته.
تحسين أوضاع العاملين لكسب ولائهم وإخلاصهم للعمل ورفع روحهم المعنوية.
توفير الإمكانات اللازمة لتهيئة الجو الملائم للعمل، من الانظمة الالية التي توفر الكثير من الوقت والجهد، ووسائل الاتصالات والانتقال للفحص الميداني والعمل على الربط الشبكي بين مختلف الإدارات الضريبية .
2ـ توسيع القاعدة الضريبة:
يتم توسيع القاعدة الضريبي من خلال التوسع في اجراءات الحصر والربط الشبكي وجمع المعلومات لتشمل الضرائب أنواعاً جديدة من الدخول أو السلع الاستهلاكية، أو فرض الضرائب البيئية التي يكون الغرض الأساسي منها حماية البيئة، أو فرض ضرائب على نشاطات القطاع غير الرسمي. كما يمكن توسيع القاعدة الضريبي من خلال زيادة كفاءة الجهاز الإداري المنظم لعملية فرض الضرائب وجبايتها، بما يسمح بالوصول إلى شرائح لم تكن تغطى في السابق.
3ـ ترشيد سعر الضريبة:
لكي يحقق النظام الضريبي أهدافه المالية والاجتماعية والاقتصادية يجب أن يكون معدل الضريبة مقبولاً. ومعدل الضريبة هو النسبة التي يتم اقتطاعها من وعاء الضريبة. والمقصود باعتدال المعدل ألا يكون منخفضاً إلى الحد الذي يقلل الموارد الضريبية للدولة، أو مرتفعاً إلى الحد الذي يشكل عبئاً مالياً قاسياً يدفع المكلفين إلى التهرب الضريبي.
4ـ مراعاة مبدأ العدالة الضريبية: تتطلب العدالة توزيع أعباء تمويل الإنفاق العام على المواطنين بحسب مقدرتهم التكليفية. وهناك مفهومان يرتبطان بهذا المبدأ وهما:
العدالة الأفقية: وتعني معاملة ذوي الدخول المتماثلة معاملة متساوية، إذ يفترض ألا يؤدي فرض ضريبة ما إلى تحميل فئة مهنية أو اجتماعية تتمتع بمستوى الدخل نفسه عبئاً أكبر من الفئات الأخرى .
العدالة الرأسية: وتتطلب مراعاة الفوارق في مستويات الدخول، عن طريق تحميل الأغنياء حصة أكبر في تمويل النفقات العامة .
ولتحقيق مبدأ عدالة الضريبة لا بد من توافر الشروط التالية في الأنظمة الضريبية باستمرار:
عمومية الضريبة، أي فرض الضريبة على جميع أنواع الدخول بلا استثناء؛ لأن تغطية النفقات العامة يجب أن يسهم فيها جميع أفراد المجتمع.
تصاعد معدل الضريبة.
إعفاء الحد الأدنى اللازم للمعيشة.
5- مكافحة التهرب الضريبي: من خلال الإجراءات الآتية:
زيادة الوعي الضريبي لدى المكلفين عن طريق تعريف أفراد المجتمع بواجباتهم الضريبية بشتى الوسائل المسموعة والمرئية والمقروءة، وتنظيم الندوات المتخصصة لشرح بنود القوانين والأنظمة والتعليمات النافذة في مجال الضريبة وكيفية احتسابها وتحصيلها، الأمر الذي سيؤدي إلى غرس القيم الاجتماعية والأخلاقية الصالحة في نفوس المواطنين وتعريفهم بأهمية الضريبة باعتبارها إحدى الوسائل التي تعين الدولة على القيام بمشاريع تعود بالخير على عموم المواطنين.
إعادة النظر في العقوبات في القوانين النافذة على المتهربين من الضرائب مع تأكيد أن التهرب الضريبي يعني اعتداء على حقوق أفراد المجتمع كافة .
تأكيد مبدأ العدالة الضريبية مما يستدعي تحديد نسب ومقاييس معتدلة للضرائب حتى لا يتولد لدى المكلف شعور بأنه يقع تحت أعباء ضريبية تتجاوز طاقته المالية ولكي لا يندفع إلى ممارسة أي حالة من حالات التهرب.
حجز الضريبة من المنبع من خلال اللجوء إلى جباية الضريبة من المصدر، لأن ذلك سيؤدي إلى تحصيل الضريبة من الإيراد قبل وصوله لصاحبه مع ضرورة احكام الرقابة على الإقرارات للتحقق من صحة البيانات الواردة فيها وضرورة تفعيل مركز المعلومات الذي يتولى مهمة تجميع وتحليل البيانات وتحويلها الى معلومات تستفيد منها الادارة الضريبية.
تدعيم الإدارات المكلفة بجباية الضرائب بأعداد كافية من العاملين الأكفاء وتزويدها بما تحتاج إليه من انظمة آلية متطورة تتلاءم مع درجة المهمة الملقاة على عاتقها، إذ إن مكافحة التهرب الضريبي تعني قبل كل شيء وجود أداة ضريبية عالية الكفاءة.
وفي كل الاحوال يجب أن تكون الإصلاحات الضريبية عملية مستمرة تمكن الادارة الضريبية من مواكبة المتغيرات المحيطة لما فيه تحقيق الغايات والاهداف المرسومة ..